أبي حيان التوحيدي
27
الإمتاع والمؤانسة
يؤمن ما يتجدد منه في محبسه ، فأمر صمصام الدولة بقتله ، فقتل سنة 375 . وكان لابن سعدان ناحية أخرى علمية أدبية يصورها أبو حيان في كتبه ، فهو واسع الاطلاع ، له مشاركة جيدة في كثير من فروع العلم من أدب وفلسفة وطبيعة وإلهيات وأخلاق ، يدل على ذلك حواره الذي يحكيه أبو حيان في كتابه الإمتاع والمؤانسة والمقابسات ، فهو يسأل أسئلة عميقة ، وينقد الإجابة عنها نقدا قيما . وفوق ذلك كان له في وزارته منتدى يجمع كثيرا من جلة العلماء والأدباء منهم ابن زرعة الفيلسوف النصراني ، وابن مسكويه صاحب ( تهذيب الأخلاق ) ( وتجارب الأمم ) ، وأبو الوفاء المهندس الذي سنتحدث عنه ، وأبو سعد بهرام بن أردشير ، ومن الشعراء ابن حجاج الشاعر الماجن المشهور ، ومن الكتّاب أبو عبيد الخطيب الكاتب ، وأبو حيان صاحبنا . وكان له مجلس شراب يجلس إليه بعض هؤلاء فيتفاكهون ويتنادرون ويذهبون في فنون الحديث كل مذهب ، ومجلس جد يتحاورون فيه ويتناقشون في الفلسفة والأخلاق والأدب . وكان يباهي بمجلسه ويفخر به على مجالس الأمراء المعاصرين له ، مثل المهلبي وابن العميد والصاحب بن عباد . فيقول في أصحابه هؤلاء : « ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير ، . . . وأن جميع ندماء المهلبي لا يفون بواحد من هؤلاء ، وأن جميع أصحاب ابن العميد يشتهون أقل من فيهم ، وأن ابن عباد ليس عنده إلا أصحاب الجدل الذين يشغبون ويحمقون ويتصايحون » . فلا عجب - إذن - أن يكون من نتاج ابن سعدان الوزير العالم هذا الكتاب الذي نحن بصدده ، كتاب « الإمتاع والمؤانسة » . وأما أبو الوفاء الذي وصل أبا حيان بابن سعدان والذي ألف أبو حيان له « الإمتاع والمؤانسة » ودوّن له فيه كل ما دار بينه وبين الوزير في سبع وثلاثين ليلة ، فهو محمد بن محمد بن يحيى البوزجاني . ترجم له ابن النديم في ( الفهرست ) وابن خلكان في ( وفيات الأعيان ) ، وقال فيه هذا الأخير : « إنه أحد الأئمة المشاهير في علم الهندسة ، وله فيه استخراجات غريبة لم يسبق بها ، وكان شيخنا العلامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن يونس - وهو القيم بهذا الفن - يبالغ في وصف كتبه ، ويعتمد عليها في أكثر مطالعاته ويحتج بما يقوله وكان عنده من تآليفه عدة كتب . . . وكانت ولادته سنة 328 بمدينة بوزجان ، وقدم العراق سنة 348 ، وتوفي سنة 376 » . وقد ذكر ابن خلكان أنه نقل تاريخ الوفاة هذا من شيخه ابن الأثير . ولكن الذي في ابن الأثير أنه عدّ وفاته في حوادث سنة 387 ، فإما أن ابن خلكان أخطأ في النقل أو أن الناسخ أخطأ في الكتابة . وكان أبو الوفاء هذا من ندماء ابن سعدان كما تقدم ، وقد وصفه ابن سعدان في